الجمعة، 27 يونيو، 2008

مجموعة من الاناركيين الاردنيين تشارك بفعاليات ضد مهرجان الاردن

في وقفة تحدي ورفض ستشارك مجموعة من الاناركيين الاردنيين باعتصام امام وزارة السياحة يوم الاحد الساعة السابعة لرفض مهرجان الاردن الذي تنظمه شركة عالمية "كوربوريشن" لها علاقات "مع اسرائيل"
مهرجان الاردن الذي اهمل و تجاهل المجتمع الاردني وطبقاتها المتوسطة والمسحوقة وجاءنا بمهرجان معولم من دون اي جانب ثقافي مثل مهرجان جرش الذي شارك في امسياته شعرية شعراء مثل محمود درويش او فرق فلكلورية شركسية او عربية..
هذا المهرجان تجاهل ايضا الفرق الغنائية الاردنية التي كان من الممكن ان تحيي حفلات ناجحة مثل "جدل" و"ترويج" و"شو هالايام"...


In an act of defiance and refusal to the "Jordan festival" which controlled and organized by international corporation in close ties with "Israel"..
A group of Jordanian anarchists will join the protest in front of the ministry of tourism next Sunday at 7..

Jordan festival ignored Jordanians of middle and lower classes… and ignored Jordanian society by bringing French artists instead of our local bands. Not like the Jarash festival the "Jordan festival" organizers also didn't include any poetry reading or Circassian folk groups..

السبت، 21 يونيو، 2008

اللاسلطوية والقضية الفلسطينية

انهيار عبادة الدولة

مجموعة مقالات

سامح سعيد عبود


يمكنك بالطبع أن تطرح شعار الحد الأقصى كحل لقضية ما ،برغم تيقنك بأنه لا يمكن فى ظل ظروف معينة إلا تحقيق ما هو أدنى من ذلك بكثير ،وقبولك بالحد الأدنى لابد وأن يكون مؤقتا بهذا الظرف لا غير ، لا يمنعك هذا القبول من النضال من أجل الحد الأقصى ،وقبولك بالحد الأدنى مؤقتا مع النضال من أجل الحد الأقصى يختلف عن الموقف الانتهازى بقبول الممكن والمتاح والحرص على استقراره والعزوف عن الارتفاع بسقفه ، والاكتفاء بمكتساباته القليلة ، والترويج لها كحل نهائى للقضية .

فالشعب الفلسطينى يذبح الآن على مرأى من العالم كله ،الصامت والمعترف والمؤيد والمتخاذل واللامبالى ،رغم أن ما يحدث هو جريمة عنصرية بربرية مستمرة منذ أكثر من قرن فى حق هذا الشعب ، فالصهيونية حركة فاشية ،وتجسيدها فى دولة إسرائيل هى كارثة إنسانية بكل المقاييس ، منحها المجتمع الدولى والرسمى الاعتراف بالشرعية وساندها وأيدها لتسرق وطنا كاملا من شعبه بالإكراه والإجبار ، ومازالت ترتكب بحق هذا الشعب شتى صنوف التعذيب و التنكيل والتشريد ، وبالرغم من ذلك يطالب الحكام المتمدينون هذا الشعب بأن يصمت فضلا عن أن يحب ويتسامح ويتعلم من قاتليه وسارقيه . وحين يتمرد ويطالب بحقوقه السليبة ، يوصم بالعنف والإرهاب ، ويطالب إزاء العنف الموجه ضده بضبط النفس وقبول ما يمنحه له سارقيه.

وإزاء هذا كله لا يسع اللاسلطويون إلا أن يقولوا للفلسطينيين أن حل قضيتهم على نحو جذرى ليس فى دولة ما ، دولة ترفع علم فلسطين بدلا من علم إسرائيل ،دولة تمارس عليهم القهر وتستغلهم باسم السلطة الوطنية ، بدلا من استغلال وقهر سلطة الاحتلال الأجنبية ، فقضيتهم ليست فى حكم وسيطرة واستغلال السلطة الإسرائيلية ، بل فى التحرر من كل سلطة إلا سلطتهم هم الجماعية على مقدراتهم ، فجوهر السيطرة الإسرائيلية عليهم ، هو فى انتزاع الفائض الاجتماعى من قوة عملهم الرخيصة لصالح الرأسماليين الإسرائيليين ، وستكون السلطة الوطنية الفلسطينية مجرد وسيط وطنى مقبول فى هذه العملية يضمن استمرار الحال لصالح الرأسماليين سواء أكانوا عربا أو إسرائيليين أو أجانب . وذلك عبر وسائل قمعها الوطنى المقبول والمؤيد بحماس من قبل الجماهير الفلسطينية ، والمدفوع لأجله دماء شهداءها وجرحاها ، والتى سرعان ما سوف تكتشف إنه لا فرق بين السلطتين سوى فى اللغة والأشخاص ، فالقمع واحد ، والاستغلال واحد ، إلا أن أحدهم مغلف بقناع براق من العواطف الوطنية الزائفة ، والآخر هو وجه الاستغلال الأجنبى السافر ، وحتى الدولة العلمانية الديمقراطية على كامل التراب الفلسطينى وضمان حق العودة للاجئين ، وإن كانت ستضمن تحسنا ملحوظا فى أوضاع الشعب الفلسطينى ، وستضمن الكثير من حقوقه الإنسانية المهضومة ، إلا أنها لن تعنى تحررا حقيقيا للجماهير اللهم إلا التحسن النسبى فى أوضاعها الإنسانية . ويمكن للشعب الفلسطينى أن يقبل بأحد الخيارين حسبما تسمح به الظروف ، دولة فلسطينية فى الضفة والقطاع بدرجات مختلفة من التبعية سواء لإسرائيل أو للآخرين ، أو الخيار الأفضل وهو الدولة العلمانية الديمقراطية ،إلا أنه لا يجب أن ينسى أن الحل الحقيقى والوحيد والجذرى لقضيته ،هو فى التخلى جذريا عن الأيديولوجيات القومية والدينية والتسلطية ،والأوهام التى تروج لها هذه الأيديولوجيات ، فلا حل سوى بمجتمع لاسلطوي فى المنطقة ، فهنا وهنا فقط سيتحرر الفلسطينيين وسائر العرب وكذلك الإسرائيليين وكل سكان شرق وجنوب المتوسط من القهر والاستغلال الواقع عليهم من البيروقراطيين والساسة والرأسماليين والعسكريين على تنويعاتهم القومية والدينية، وحينئذ فقط سيتمتعون بالحرية الحقيقية والمساواة الفعلية .

ربما يكون هذا الهدف بعيدا وخياليا ولا تسمح به ظروف الواقع الراهنة ،وربما يكون أقرب مما نتخيل و أكثر واقعية مما نظن ،وما علينا إلا أن نناضل من أجله ،فهو ليس أقل خيالية من وهم التحرر فى ظل الدويلة الوطنية التابعة والمستبدة الذى يسعى له البعض ،أو الدولة الديمقراطية العلمانية التى يعتبرها البعض سقف أحلامهم ،أو الدولة الاشتراكية التسلطية التى يبشر بها البعض الآخر ، ولا الدولة القومية أو الدولة الإسلامية على كامل التراب بعد طرد اليهود ،كما مازال يدعو لها غلاة القوميون العرب أو الإسلاميون


http://www.geocities.com/cscruk/84.html

نحو الاناركية

هناك رأي عام أننا ، لأننا نسمي أنفسنا ثوريين ، نتوقع أن تتحقق الأناركية بضربة واحدة – كنتيجة مباشرة لثورة مسلحة تهاجم بعنف كل ما يوجد و تستبدله جميعا بمؤسسات جديدة حقا . و لنكن صريحين فإن هذه الفكرة لا تفتقر إلى من يؤيدها بين بعض الرفاق الذين يفهمون الثورة بنفس الطريقة . هذه الفكرة المسبقة تفسر لماذا يعتقد الكثير من الخصوم المخلصين أن الأناركية هي شيء مستحيل الحدوث ، كما تفسر لماذا نرى بعض الرفاق ، و هم يشعرون بالاشمئزاز من الوضع الحالي الأخلاقي للشعب و يرون أنه لا يمكن تحقيق الأناركية في القريب ، يتذبذبون بين دوغمائية متطرفة تعميهم عن حقائق الحياة و بين انتهازية تجعلهم ينسون عمليا أنهم أناركيون و أنهم يناضلون في سبيل الأناركية .من المؤكد أن انتصار الأناركية لن يكون نتيجة لمعجزة ، إنها لن تتحقق على الضد من قوانين التطور ( جوهر التطور أنه لا شيء يحدث بدون سبب ) ، و أنه لا يمكن إنجاز أي شيء بدون الوسائل المناسبة .إذا أردنا أن نستبدل حكومة بأخرى ، أي أن نقوم بفرض رغباتنا على الآخرين ، فسيكون من الضروري أن نجمع القوى المادية المطلوبة لمقاومة المضطهدين الحاليين و أن نأخذ مكانهم .لكننا لا نريد ذلك ، فنحن نريد الأناركية التي هي مجتمع يقوم على العقد الحر و الطوعي – مجتمع لا يمكن لأي كان فيه أن يفرض رغباته على الآخرين و حيث يفعل كل فرد ما يريد و يساهم الجميع طوعا في رخاء المجتمع . لكن لأن هذه الأناركية لن تنتصر حتما و على نطاق عالمي حتى يصبح كل البشر ليسوا فقط غير راغبين بأن يُحكموا بل أيضا غير راغبين بأن يَحكموا ، و لن تنجح الأناركية حتى يتفهم الجميع فائدة التضامن و يتعلموا كيف ينظموا طريقة للحياة الاجتماعية بحيث يمكن من خلالها إلغاء أي وجود للعنف و الإكراه . و مع تطور الضمير و التصميم و الجدارة عند البشر و الذي يجد وسائل للتعبير في التغير التدريجي في البيئة الجديدة و في تحقيق الرغبات بشكل يتناسب مع حقيقة أن هؤلاء البشر قد تم تشكيلهم و تحولوا بحيث لا يمكن تجاهلهم ، إن الأمر كذلك مع الأناركية ، لا يمكن للأناركية أن تتحقق إلا شيئا فشيئا ببطء لكن بثبات و هي تزداد قوة و اتساعا . لذلك فإن القضية ليست في أن ننجز الأناركية اليوم أو غدا أو بعد عشرة قرون ، لكن أن نتقدم باتجاه الأناركية اليوم و غدا و على الدوام .إن الأناركية هي إلغاء استغلال و اضطهاد الإنسان للإنسان ، أي إلغاء الملكية الخاصة و الحكومة ، الأناركية هي هدم البؤس و الخرافة و الكراهية . لذلك فإن أي ضربة تتعرض لها مؤسسات الملكية الخاصة و الحكومة ، كل إعلاء لضمير الإنسان ، كل ضربة توجه للظروف الراهنة ، كل كذبة تكشف ، أي جزء من النشاط الإنساني ينتزع من سيطرة السلطات ، أية زيادة في روح التضامن و المبادرة ، هي خطوة نحو الأناركية . تكمن المشكلة في معرفة كيف نختار الطريق الذي يقربنا بالفعل من تحقيق المثل الأعلى و ألا نخلط بين التطور الحقيقي و بين الإصلاحات الزائفة . لأنه و بذريعة الحصول على تحسينات مباشرة تؤدي هذه الإصلاحات الزائفة إلى صرف الجماهير عن النضال ضد السلطة و رأس المال ، إنها تؤدي إلى شل أفعالهم و تدفعهم نحو الأمل بأن يتحقق شيء ما اعتمادا على طيبة المستغلين و الحكومات . القضية هي في كيف نستخدم القوة القليلة التي نملكها – أن نستمر في التحقيق بواسطة أفضل طريقة اقتصادية ممكنة ، مكانة أعلى لهدفنا .هناك في كل بلد حكومة تقوم ، بواسطة القوة الوحشية ، بفرض قوانينها على الجميع ، تكره الجميع على أن يكونوا مادة للاستغلال و تحافظ على المؤسسات القائمة ، سواء رغب هؤلاء أم لا . إنها تمنع مجموعات الأقليات من أن تمارس أفكارها ، و تمنع المنظمات الاجتماعية عموما من تكييف أنفسها طبقا ل و حسب التغيرات في الرأي العام . إن مسار التطور الطبيعي السلمي يجري إيقافه بواسطة العنف ، و لذلك فإن العنف ضروري لإعادة فتح هذا الطريق . و لهذا السبب فإننا نريد اليوم ثورة عنيفة ، و سنريدها دوما – طالما بقي الإنسان موضوعا لفرض الأمور على الضد من رغباته الطبيعية . إذا ما تمت إزالة العنف الحكومي فإن عنفنا لن يجد أي مبرر ليوجد .لا يمكننا حتى اليوم أن نطيح بالحكومة السائدة ، ربما في الغد لن يمكننا أن نمنع ظهور حكومة مشابهة من أنقاض الحكومة الحالية . لكن هذا لم يمنعنا ، و لن يمنعنا في الغد ، من مقاومة أي شكل للسلطة – رافضين دائما أن نخضع لقوانينها حيثما كان ذلك ممكنا ، و أن نستخدم القوة دوما لمقاومة القوة .إن كل إضعاف لأي شكل من السلطة ، كل اقتراب من الحرية سيكون تطورا نحو الأناركية ، دائما يجب أن ننتزعها – و أبدا ألا نستجديها ، يجب دائما أن تساعد على إعطائنا قوة أكبر في الصراع ، دائما يجب أن تدفعنا لاعتبار الدولة كعدو لا يمكن عقد أي صلح معه أبدا ، أن تدفعنا لنتذكر دوما أن الحد من الأمراض التي تنتج عن الدولة يعني التقليل من سلطاتها و قواها ، و أن الشروط الناتجة يجب ألا يقررها أولئك الذين يَحكمون بل أولئك الذين يُحكمون . ما نقصده بالدولة أي شخص أو مجموعة أشخاص في الدولة أو البلد أو جمعية يملك أو يملكون الحق في وضع القوانين و فرضها على من لا يريدها . لا نستطيع حتى الآن إلغاء الملكية الخاصة ، و لا يمكننا أن ننظم وسائل الإنتاج على النحو الضروري لكي نعمل بحرية ، ربما لا يمكننا أيضا أن نفعل ذلك أيضا في الموجة الثورية القادمة . لكن هذا لن يمنعنا اليوم أو في المستقبل من مواصلة معارضة الرأسمالية و أي شكل من أشكال الاستبداد . و إن كل نصر مهما كان صغيرا يحققه العمال ضد مستغليهم ، كل تقليل للأرباح ، كل جزء صغير من الثروة يؤخذ من الملاك الفرديين و يوضع بتصرف الجميع ، يشكل تطورا – خطوة إلى الأمام نحو الأناركية . دائما يجب أن تخدم قضية دعم مطالب العمال و أن تقوي النضال ، يجب دائما أن تقبل على أنها نصر على عدو و ليس كتنازل يجب أن نقابله بالشكر ، يجب علينا أن نبقى دوما ثابتين في تصميمنا على أن نأخذ بالقوة ، حالما يصبح ذلك ممكنا ، تلك الوسائل التي سرقها أصحاب الأملاك الخاصة من العمال بحماية الحكومة . مع اختفاء حق استخدام القوة و وضع وسائل الإنتاج تحت إدارة كل راغب بالإنتاج ، فإن هذه النتيجة ستكون ثمرة تطور سلمي . لا يمكن للأناركية أن تكون ، و لن تكون أبدا لولا تلك القلة التي تطالب بها و تريدها فقط في تلك الأشياء التي يمكن أن تنجزها من دون دعم غير الأناركيين . هذا لا يعني بالضرورة أن مثال الأناركية لن يحقق أي تقدم أو القليل من التقدم ، لأن أفكارها سوف تمتد شيئا فشيئا إلى بشر أكثر و أشياء أكثر حتى تكسب كل البشرية و كل مظاهر الحياة .بالإطاحة بالحكومة و كل المؤسسات الموجودة الخطيرة التي تقاوم بالقوة ، بالحصول على الحرية للجميع و معها وسائل تنظيم العمل التي بدونها تكون هذه الحرية مجرد كذبة ، و فيم نناضل نحن للوصول إلى تلك النقطة فإننا لا نعتزم تدمير هذه الأشياء التي سنقوم بإعادة بنائها شيئا فشيئا . على سبيل المثال ، من هذه الوظائف في المجتمع المعاصر خدمة الإمداد بالطعام ، التي تتم اليوم على نحو سيء و عشوائي و مع هدر كبير في الطاقة و المواد و بالاعتماد أساسا على مصالح الرأسمالية ، لكن في نهاية المطاف ، علينا أن نأكل بطريقة أو أخرى . من العبث أن نعمل على تشويش نظام إنتاج و توزيع الطعام الحالي ما لم يمكننا أن نستبدله بواحد أفضل و أكثر عدالة . هناك مثلا خدمة البريد . يمكننا أن نوجه لها آلاف الانتقادات ، لكن في الوقت الراهن فإننا نستخدمها لنرسل رسائلنا ، و سنستمر باستخدامها ، و نحن نعاني من كل نواقصها ، حتى يكون بإمكاننا أن نصلحها أو نستبدلها . هناك المدارس ، و لكن كم تعمل على نحو رديء . و لكننا لا نترك أطفالنا فريسة للجهل بسبب ذلك – رافضين أن تقوم هذه المدارس بالذات بتدريسهم الكتابة و القراءة .في الوقت الحاضر فإننا ننتظر و نناضل من أجل اللحظة التي سيكون فيها بإمكاننا أن ننظم نظاما من المدارس النموذجية لكي يستوعب الجميع .من هنا يمكننا أن نرى أنه كي نبلغ الأناركية فإن القوة المادية ليست هي الشيء الوحيد التي تصنع الثورة ، من الضروري أن يقوم العمال ، مجتمعين حسب الفروع المختلفة للإنتاج ، بأن يكونوا في وضع يسمح لهم بضمان استمرار العمل اللائق لحياتهم الاجتماعية – بدون الحاجة أو بدون مساعدة الرأسماليين أو الحكومات . كما نرى أيضا أن مثال الأناركية أبعد من أن يكون في تناقض كما يدعي "الاشتراكيون العلميون" لقوانين التطور كما يثبتها العلم ، إنها مفهوم تناسب هذه القوانين تماما ، إنها النظام التجريبي القادم من حقل البحث إلى حقل التحقق الاجتماعي .
ترجمة مازن كم الماز
ملاحظة* إيريكو مالاتيستا ( 1853 – 1932 ) أناركي إيطالي ثوري

عن النظام الاناركي

بيتر كروبوتكين
بقلم مازن كم الماز
غالبا ما نلام الآن على قبولنا بكلمة "الأناركي" ( غياب الحكومة أو الفوضى – المترجم ) كلقب و التي تثير الخوف عند الكثيرين بشكل كبير . "إن أفكاركم ممتازة" ، كما يقولون لنا ، "لكن يجب أن تعترفوا أن اسم حزبكم هو خيار غير موفق" . إن الأناركية في اللغة الدارجة مرادفة للاضطراب و الفوضى ، إن الكلمة تعيد إلى الأذهان فكرة نزاع المصالح ، و الصراع بين الأفراد ، الذي لا يمكن أن يؤدي إلى إقامة الوئام . دعنا نبدأ بالإشارة إلى أن حزبا منهمكا بالعمل ، حزبا يمثل اتجاها جديدا ، نادرا ما يملك الفرصة لاختيار اسمه بنفسه . لم يكن "شحاذو" باربانت هم الذين اختاروا اسمهم ، الذي أصبح فيما بعد رائجا . لكنها ما يبدأ كلقب – مختار بعناية – يتبناه الحزب فيما بعد ، و يصبح مقبولا عامة ، و سرعان ما يصبح اسمه الذي يعتد به . كما سيعتبر أن هذه الكلمة تلخص فكرة بأسرها .و اللا متسرولون ( لا متسرول : لقب للجمهوريين الفرنسيين المتطرفين – المترجم ) في عام 1793 ؟ لقد كان أعداء الثورة الشعبية هم من ابتكر هذا الاسم ، لكنه أيضا يختصر فكرة بأسرها – فكرة تمرد الشعب ، المتشح بالرغبة العارمة ، المتعب من الفقر ، المعادي لكل أولئك الملكيين ، الذين يسمون بالوطنيين و اليعاقبة ، حسني الهندام و متكلفي الأناقة ، هؤلاء الذين ، على الرغم من خطبهم الرنانة و الثناء الذي يجزل لهم من قبل المؤرخين البرجوازيين ، هم الأعداء الحقيقيون للجماهير ، و الذين يزدرون هذه الجماهير بشدة بسبب فقرها ، بسبب روحها التحررية المؤمنة بالمساواة ، و بسبب حماستها الثورية .لقد حدث الشيء نفسه مع اسم "النيهيلستيين" ( العدميين ، المترجم ) ، الذي حير الصحافيين كثيرا و قاد إلى الكثير من اللعب بالكلمات ، الجيد و السيئ ، حتى اكتشف أنه لا يدل على طائفة معينة – غالبا دينية – و لكن على قوة ثورية حقيقية . ابتكره تورغينيف في روايته "الآباء و الأبناء" ، لقد اصطلح عليه "الآباء" ، الذين استخدموا هذا اللقب ليأخذوا بثأرهم من عصيان "الأبناء" . لكن الأبناء قبلوا به و لكن عندما اكتشفوا فيما بعد أنه يولد سوء فهم و حاولوا أن يتخلصوا منه ، كان ذلك مستحيلا . لم تصف الصحافة و الجمهور الثوريين الروس بأي اسم آخر . على أي حال كان الاسم قد اختير بصورة سيئة مطلقا ، لأنه أيضا يختصر فكرة : إنه يعبر عن نفي كل فعالية للحضارة الراهنة ، تقوم على اضطهاد طبقة لأخرى – نفي النظام الاقتصادي الحالي . نفي الحكومة و السلطة ، و الأخلاقية البرجوازية ، و الفن لصالح المستٍغلين ، الموضة و العادات الغريبة على نحو مضحك أو الثورية المنافقة ، و كل ما ورثه المجتمع المعاصر من القرون الماضية : بكلمة ، كل ما تعامله الحضارة البرجوازية اليوم بإجلال و تقدير .إنها القصة نفسها مع الأناركيين . عندما انبعث حزب من داخل الأممية و رفض سلطة المنظمة و ثار كذلك في وجه السلطة بكل أشكالها ، سمى هذا الحزب نفسه أول الأمر ب"الفيدراليين – الاتحاديين" ثم "المعادين للدولة" أو "اللا تسلطيين" . في تلك الفترة حاول تجنب استخدام الكلمة "أناركيين" . إن كلمة "أناركي" an-archy ( هكذا كتبت يومها ) بدا أنها تساوي هذا الحزب إلى حد كبير مع البرودونيين ، الذين كانت أفكارهم عن الإصلاح الاقتصادي قد رفضت من قبل الأممية . و لكن لهذا الغرض بالتحديد – بهدف خلق التشويش – قرر أعداءه استخدام هذا الاسم ، ففي النهاية ، سمح استخدام هذا الاسم بالقول أن نفس اسم الأناركيين يثبت أن طموحهم الوحيد كان هو خلق الفوضى و البلبلة بدون أي اعتبار للنتائج . قبل الحزب الأناركي بسرعة الاسم الذي أعطوه إياه . في البداية أصر على الشرطة بين an و archy ، موضحا أنه بهذا الشكل an-archy - المأخوذ من اليونانية – يعني "لا سلطة" و ليس "الفوضى" ، لكنها سرعان ما قبلت بالكلمة كما هي و تم التوقف عن إضاعة المزيد من الجهد للبرهنة للقراء و إعطاء دروس في اللغة اليونانية للجمهور .إذا عادت الكلمة إلى معناها الأساسي الطبيعي و المتداول ، كما عبر الفيلسوف الانكليزي بنتام عام 1816 بالمفردات التالية : "الفيلسوف الذي يرغب في إصلاح قانون سيء" كما قال " لا يبشر بثورة ضده...إن شخصية الأناركي مختلفة تماما ، إنه ينكر وجود القانون ، و يرفض شرعيته ، إنه يحض الناس على أن يرفضوا الاعتراف به كقانون و أن يثوروا ضد تطبيقه " . ما يفهم من الكلمة اليوم هو أوسع من ذلك ، إن الأناركي يرفض ليس فقط القوانين القائمة ، بل كل السلطة الراهنة ، مجرد أي تحكم ، لكن جوهرها بقي نفسه : إنها تتمرد – و من هنا بدأت – ضد السلطة و التحكم بأي شكل .لكن سبق أن أخبرنا أن هذه الكلمة تعيد إلى الأذهان نفي النظام و بالتالي فكرة الفوضى أو الاضطراب .لكن دعنا على أي حال نتأكد من أننا نفهم بعضنا البعض – ما هو النظام الذي نتحدث عنه ؟ هل هو الانسجام الذي نحلم نحن الأناركيون به ، الانسجام في العلاقات الإنسانية الذي سوف يتأسس بشكل حر عندما يتوقف انقسام البشرية إلى طبقتين ، تضحي إحداها لخير الأخرى ، الانسجام الذي سينبعث عفويا من اتحاد المصالح عندما ينتسب كل البشر إلى عائلة واحدة ، عندما يعمل كل فرد لصالح الجميع و الجميع لصالح الفرد ؟ من الواضح أنه ليس هو . أولئك الذين يتهمون الأناركية بأنها نفي النظام لا يتحدثون عن انسجام المستقبل هذا ، إنهم يتحدثون عن النظام كما يفهم من مجتمعنا المعاصر . لذا دعونا نرى هذا النظام الذي تريد الأناركية تدميره .النظام اليوم – ما يقصدون هم من النظام – أن يعمل تسعة أعشار البشرية لتوفير الرفاهية و المتعة و تلبية أكثر الرغبات إثارة للتقزز لحفنة من الكسالى .النظام يعني حرمان تسعة أعشار البشرية من كل شيء يشكل شرطا ضروريا لحياة كريمة ، لتطور مقبول للوظائف الفكرية . أن يجري الحط من تسعة أعشار البشرية إلى حالة بهيمية من عبء الحياة من يوم إلى آخر ، دون حتى أن تتجرأ على التفكير في المسرات التي يوفرها للإنسان الدراسة العلمية و الإبداع الفني – هذا هو النظام ! النظام هو الفقر و المجاعة و قد أصبحت الحالة الطبيعية للمجتمع . إنه الفلاح الايرلندي و هو يموت من الجوع ، إنه موت واحد من ثلاثة فلاحين روس بالدفتريا و التيفوئيد ، و من الجوع بعد القحط – في الوقت الذي ترسل فيه الحبوب المخزنة إلى الخارج . إنه شعب إيطاليا و قد أكره على ترك ريفه الخصب و أن يجول عبر أوروبا باحثا عن أنفاق ليحفرها ، حيث يخاطر بأن يجري دفنهم بعد أن يتمكنوا من البقاء لعدة شهور أو نحو ذلك . إنه الأرض التي تؤخذ من الفلاحين لتربى عليها الحيوانات لإطعام الأغنياء ، إنها الأرض و قد تركت قاحلة عوضا أن تعاد إلى أولئك الذين لا يطالبون إلا بأن يزرعوها .النظام هو النساء اللواتي يبعن أنفسهن ليطعمن أطفالهن ، إنه الطفل و قد أكره على أن يلتزم بالعمل في المصنع أو أن يموت جوعا ، إنه العامل و قد انحط إلى حالة آلة . إنه شبح العامل و هو ينهض ثائرا في وجه الأغنياء ، شبح الشعب و هو ينهض في وجه الحكومة .النظام هو الأقلية المتناهية في الصغر و هي تصل إلى موقع السلطة ، و التي لهذا السبب تفرض نفسها على الأغلبية و التي تحمل الأبناء ليحتلوا نفس المراكز فيما بعد ليحتفظوا بنفس الامتيازات بواسطة الخداع ، الفساد ، العنف و سفك الدماء .النظام هو الحرب المستمرة للإنسان ضد الإنسان ، مهنة ضد مهنة ، طبقة ضد طبقة ، بلد ضد بلد . إنه المدفع الذي لا يتوقف زئيره أبدا في أوروبا ، إنه تخريب الريف ، التضحية بأجيال بأسرها على ساحة المعركة ، التدمير في سنة واحدة لما احتاج بناؤه إلى قرون من العمل المثابر .النظام هو العبودية ، تقييد الفكر بالسلاسل ، انحطاط الجنس البشري الذي يتم الحفاظ عليه بالسيف و السوط . إنه الموت المفاجئ بالانفجار أو الموت البطيء باختناق مئات عمال المناجم الذين ينفجرون أو يدفنون كل سنة بسبب جشع السادة – و الذين تطلق عليهم النار أو يطعنون بالحراب ما أن يتجرؤوا على الشكوى .أخيرا ، النظام هو كومونة باريس ، و قد أغرقت بالدماء . إنه موت 30 ألف رجل و امرأة و طفل ، و قد مزقوا إربا بالقذائف ، رموا بالنار ، و دفنوا في الجير الكلسي تحت شوارع باريس . إنه وجه الشباب في روسيا و قد أوصدت عليهم أبواب السجون ، و دفنوا في ثلوج سيبيريا ، و – في حالة أولئك الأفضل ، الأكثر نقاء و الأكثر تفانيا – مخنوقين في أنشوطة منفذ حكم الإعدام . هذا هو "النظام" ! و الفوضى – ما الذي يسمونه "هم" بغياب النظام أو الفوضى ؟إنه نهوض الشعب ضد هذا النظام المخجل ، متخلصا من قيوده ، محطما أصفادها و هو يتحرك نحو مستقبل أفضل . إنها الأفعال الأكثر مجدا في تاريخ البشرية . إنه تمرد الفكر عشية الثورة ، إنه التمرد على الفرضيات التي بقيت محرمة دون تغيير لقرون ، إنه انفجار سيل من الأفكار الجديدة ، أو الاكتشافات الجريئة ، إنه الحل للمشاكل العلمية . الفوضى هي إلغاء العبودية القديمة ، هي صعود الكومونات ، إلغاء القنانة الإقطاعية ، محاولات إلغاء القنانة الاقتصادية .الفوضى هي ثورات الفلاحين ضد الكهنة و ملاك الأرض ، إحراق القلاع لإعطاء المكان للأكواخ ، تترك أكواخها لتأخذ مكانها تحت الشمس . إنه فرنسا و قد ألغت الملكية و تسدد ضربة للقنانة في كل أوروبا الغربية . الفوضى هي 1848 الذي جعل الملوك يرتجفون ، و المناداة بحق العمل . إنه شعب باريس الذي يحارب من أجل فكرة جديدة ، و عندما يموت وسط مجازر ، تاركا للإنسانية فكرة الكومونة الحرة ، و فاتحا الطريق نحو هذه الثورة التي نشعر بها تقترب و التي ستكون الثورة الاجتماعية .الفوضى – أو ما يسمونه "هم" بالفوضى – هي فترات تقوم خلالها أجيال بأسرها بخوض نضال لا يتوقف و التضحية بالنفس لتهيئ البشرية نحو وجود أفضل ، في التخلص من العبودية السابقة . إنها أوقات تقوم أثنائها العبقرية الشعبية بتحليق حر و خلال عدة سنين تحقق تقدم هائل التي بدونه سيبقى الإنسان في حالة عبودية مغرقة في القدم ، مجرد كائن زاحف ، قد انحط بسبب الفقر . الفوضى هي اشتعال أكثر المشاعر رقة و أكبر التضحيات ، إنها ملحمة الحب الأسمى للإنسانية !إن كلمة "أناركي" ، و هي تتضمن نفي هذا النظام و تستحضر ذكرى أروع اللحظات في حياة الناس – ألم يجر اختيارها بعناية للتعريف بحزب يتحرك قدما نحو تحقيق مستقبل أفضل ؟

الاناركية

مابكل البرت
إننى أنحو للاتفاق مع هؤلاء الذين يرون فى الأناركية ميلا فى تاريخ الفكر الانسانى والممارسة البشرية, ميلا لا يمكن حصره داخل نظرية عامة فى الأيديولوجية, تكافح من اجل تحديد وفضح الأبنية الاجتماعية الجبرية التسلطية متعددة المراتب الكهنوتية, وذلك عن طريق وضع علامات استفهام حول مشروعيتها: وفى حالة عدم تمكن هذه الأبنية من الرد على هذا التحدى, وعلى الأرجح هذا هو المنتظر, تصبح الأناركية حينئذ هى الجهود التى تقلص سلطانهم وتوسع من آفاق الحرية.وهى لذلك, الأناركية, ظاهرة اجتماعية يتغير محتواها بالإضافة إلى مظاهر نشاطها السياسى مع الوقت. هناك طابع وحيد ذو طبيعة خاصة يرتبط بالأناركية, وهو أنها على عكس كل الأيديولوجيات الكبرى لا يمكن أن يتأتى لها وجود ثابت ومستمر على الأرض من خلال كونها سلطة حكومية أو لكونها جزء من النظام السياسى. يأتى تاريخها وسماتها المعاصرة من عامل آخر – إنها موجات من الكفاح السياسى. ونتيجة لذلك, تمتلك الأناركية ميلا نحو "تعاقب الأجيال", بمعنى انك تستطيع أن تحدد فى تاريخها موجات محددة المعالم جدا, طبقا لفترة الكفاح التى تشكلت فيها. ولكن من الطبيعى, كما مع كل محاولة أخرى لصياغة المفاهيم, محاولتى هنا أيضا سوف يشوبها التبسيط. على الرغم من هذا, فإننى أتعشم أن تكون محاولتى مفيدة لفهم هذه الظاهرة الاجتماعية.تاريخيا, تشكلت الموجة الأولى من خلال الصراع الطبقى فى أوروبا فى أواخر القرن التاسع عشر, وكان جناح "باكونين" فى الأممية الأولى هو ممثلها النظرى والعملى. تصاعدت بدايات المرحلة حتى عام 1848, وبلغت ذروتها مع كوميونة باريس (1871), وترنحت خلال ثمانينات القرن التاسع عشر.إنها شكل جنينى تماما للأناركية, تخلط معا ما بين الميول المناهضة للدولة, والمناهضة للرأسمالية, والإلحاد, بينما تحافظ بشكل أصيل على اعتمادها على العمالة الصناعية الماهرة فى المدن كعامل ثورى. "باكونين", هذا الحالم المهيب, الذى كان "ديناميت وليس بشرا", الذى هتف فى عام 1848, "يجب إنقاذ سيمفونية بيتهوفن التاسعة من نيران الثورة العالمية حتى ولو دفع الواحد حياته ثمنا لها".باكونين ترك لنا من ضمن تراثه واحدة من أجمل وربما أدق التوصيفات لواحدة من الأفكار الرائدة داخل التقاليد الأناركية:"أنا عاشق متعصب للحرية, معتبرا إياها الشرط الفريد الذى تنمو وتتطور فى ظله الألمعية والكرامة والسعادة الإنسانية, ولا اقصد الحرية الشكلية تماما, التى تمنحها وتنظمها وتضبطها الدولة, تلك الكذبة الخالدة التى لا تمثل فى الواقع شيئا آخر أكثر من امتيازا للبعض مؤسس على عبودية الآخرين؛ الحرية التى اعنيها ليست هى الحرية الفردية, الأنانية, الرثة, الخيالية, التى تمجدها مدرسة جان جاك روسو, ومدارس البرجوازية الليبرالية الأخرى, التى تعتبر الحقوق المفترضة لكل الرجال, ممثلة فى الدولة التى تفرض لكل منا حدودا للحقوق التى نملكها - - تلك الفكرة التى تنتهى لا محالة إلى أن تجعل من هذه الحقوق صفرا. لا, إنني أعنى النوع الوحيد من الحرية, التى تستحق أن تسمى بهذا الاسم, الحرية التى تتشكل من التنمية الكاملة للقوى المادية والذهنية والأخلاقية الكامنة فى كل شخص منا؛ الحرية التى لا تكبحها أى قيود سوى تلك الكوابح التى تحتمها قوانين طبيعتنا الفردية, والتى بالطبع لا يمكن النظر إليها كقيود حيث أن هذه القوانين لم يفرضها علينا أى مشرع خارجى يقف على حد المساواة معنا أو فى مرتبة اعلى منا, ولكنها عوامل موروثة فينا ومستمرة معنا, تشكل الأساس المباشر لكينونتنا المادية والعقلية والأخلاقية - - فهى عوامل لا تقيدنا ولكنها شروط حقيقية ومباشرة تشكل حريتنا". شهدت الموجة الثانية, من تسعينات القرن التاسع عشر حتى الحرب الأهلية الروسية, إزاحة واضحة لمركز الحركة من أوروبا الغربية إلى أوروبا الشرقية وأصبحت لذلك تعطى اهتماما أوضح للفلاحين. ولهذا كانت شيوعية "كروبتكين" الأناركية, بشكل نظرى, هى السمة الغالبة. بلغت المرحلة قمتها مع جيش "ماخنو" (جيش أسسه الأناركيون الروس من الفلاحين والعمال أثناء الثورة الروسية عام 1917 – المترجم) وانتقلت بعد انتصار البلشفية إلى أوروبا الوسطى داخل التيارات التى كانت تعمل تحت السطح. تركزت الموجة الثالثة, من عشرينات القرن العشرين حتى أواخر الأربعينيات, فى وسط وغرب أوروبا مرة ثانية, وحصرت توجهها مرة أخرى نحو الطبقة العاملة الصناعية. نظريا, كان ذلك ذروة النقابية الأناركية, أكثر الأعمال قام بها المنفيون الروس الذين طردتهم الثورة البلشفية من روسيا. ومن هذه اللحظة, بات التباين بين النوعين الرئيسيين فى التقاليد الأناركية واضحا للعيان: الشيوعية الأناركية, التى يمكن أن نعتبر, على سبيل المثال, أن "كروبتكين" تمثلها – وعلى الجانب الآخر, تقاليد النقابية الأناركية التى, ببساطة, ترى فى الأفكار الأناركية النمط السليم والصالح لتنظيم المجتمعات الصناعية المتقدمة, عالية التعقيد. يندمج مثل هذا التيار الأناركى, ويتشابك عن طريق علاقات بتلاوين من الجناح اليسارى فى الماركسية, وهو النوع الذى يجده المرء, قل مثلا, فى شيوعيى المجالس, الذين بزغوا من التقاليد اللكسمبرجية, والذين مثلهم لاحقا, بصيحات مثيرة جدا, منظرون ماركسيون مثل انطون بانيكوك.بعد الحرب العالمية الثانية, شهدت الأناركية هبوطا عاما كبيرا نتج بسبب إعادة بناء أوروبا وظهرت على السطح فقط وبشكل هامشى فى أشكال الكفاح المناهض للإمبريالية فى الجنوب, الذى كانت تغلب عليه, بالرغم من ذلك, نفوذ الاتجاهات الموالية للسوفييت. نضالات الستينات والسبعينات لم تشهد بروزا جديا للأناركية, التى كانت لا تزال محملة بأثقال تاريخها, ولم تستطع التكييف مع اللغة السياسية الجديدة التى لا تبنى كلامها على صراع الطبقات. ولهذا فأنت تجد نزعات أناركية فى مجموعات شديدة التنوع بدءا من الجماعات المناهضة للحرب, والحركة النسوية, والسود الخ, ولكنك لا تجد جماعة منهم فى حد ذاتها تصف نفسها ايجابيا بالأناركية. فمن الواضح أن الجماعات الأناركية فى هذا الوقت كانت لا أكثر ولا اقل من تقرير معاد للموجتين السابقتين (النقابيين الثوريون والشيوعيون), وكانت شديدة الانعزالية - فبدلا من الانخراط مع هذه الأشكال الجديدة من التعبير السياسى انغلقوا على أنفسهم, وعادة ما اقروا مواثيق غاية فى الجمود مثل الأناركيين الذين يسمون بـ "البرنامجيين" ذوى التقاليد الماخنوية. لذا, هذا هو الجيل "الشبح" الرابع.بالوصول إلى الزمن الحاضر, نجد لدينا جيلين يتعايشا داخل الأناركية: أهل الستينات والسبعينات التى شكلتهم سياسيا (والتى كانت فعلا إعادة تجسيد للموجة الثانية والثالثة), والشباب الأكثر معرفة, من بين عناصر أخرى, بالسكان الأصليين, ومناصرى قضايا المرأة, ودعاة البيئة, وأصحاب التفكير النقدى للثقافات. تواجد السابقون كإتحادات فدرالية أناركية, مثل الـ IWW, والـ IWA, والـ NEFAC, وأشباههم. أما تجسيد اللاحقين فهو أكثر بروزا فى شبكات عمل الحركة الاجتماعية الجديدة. ومن منظورى الخاص, تأتى منظمة "حركة الشعوب الكوكبية" Peoples Global Action, كالكيان الرئيسى فى تيار الجيل الخامس من الأناركية. ما يثير الاضطراب أحيانا هو أن واحد من الملامح الشخصية لتيار الأناركية المعاصر يتسم بأن أفراده والجماعات المكونة له لا ينسبون أنفسهم عادة إلى الأناركية. هناك بعضهم ممن يلتزم بمبادئ الأناركية حرفيا فى كونها ضد الحلقية ومع التنظيمات المفتوحة لدرجة أنهم فى بعض الأحيان يتحرجون من تسمية أنفسهم "أناركيون" لنفس هذه الأسباب.ولكن بالتأكيد تبقى المكونات الثلاث الجوهرية التى تسرى على طول الخط فى صميم الإيديولوجية الأناركية - مناهضة الدولة, ومناهضة الرأسمالية, والسياسات المجازية (أى أنماط التنظيم التى تشبه بشكل واعى العالم الذى تريد خلقه. أو, كما صاغها مؤرخ أناركى للثورة فى أسبانيا "محاولة تخيل ليس فقط الأفكار ولكن أيضا تخيل حقائق المستقبل نفسه".) هذا الأمر قائم فى أى شيئ من أول التعاونيين المفروضين Jamming Collectives وحتى الإعلام المستقل Indy media, كل هؤلاء نستطيع أن نقول أنهم أناركيون مع الوضع فى الاعتبار أننا نقصد أشكال جديدة. هناك درجة محدودة من الالتقاء بين الجيلين المتجاورين القائمان معا, وهى غالبا ما تأخذ شكل متابعة كل منهما لما يفعله الآخر - ولكن ليس أكثر من ذلك.الإشكالية الأساسية التى تتغلغل فى كيان الأناركية المعاصرة, بناءا على ذلك, هى تلك الإشكالية التى تقوم بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الحديثة للأناركية. فى كلا الحالتين نحن نشهد عيانا "هروبا من التقاليد", ولكن كل بطريقته.أجرؤ على القول بان "الأناركيون التقليديون" لم يفهموا تماما التقاليد. فكلمة "تقاليد" نفسها لها معنيان تاريخيان: حرفيا, أحدهما أكثر شيوعا وانتشارا وهو ما يعنى "الفولكلور", القصص, والمعتقدات, والعادات, والأعراف السلوكية", بينما يعنى الآخر الذى هو اقل شيوعا وانتشارا, ما نصه: اعبر, فوض الأمر, تحرك باتساق مع الآخرين, تشاور, قدم التوصيات.لماذا اجذب انتباهكم لهذا الاختلاف فى تفسير معنى كلمة تقاليد؟, بل إننى حتى اشدد على أهمية التفسير؟ الإجابة هى: بسبب احتمال أن مصطلح التقاليد فى تاريخ الأفكار قد يفهم على وجهين مختلفين. الوجه الأول (وهو ربما الوجه الأكثر شيوعا) هو أن التقاليد تقبل على إنها بنيان تام لا يمكن ولا يجب تغييرها أو تعديلها, ولكن يجب الحفاظ عليها فى حالتها الثابتة ويتم تجاوزها فى المستقبل, بدون تغييرها. مثل هذا الفهم للتقاليد يرتبط بهذا الجزء من الطبيعة البشرية الذى يشار إليه كالطبيعة المحافظة, التى هى ميالة للسلوك النمطى, يشخصها "فرويد" على أنها "قهر التكرار". المعنى الآخر للتقاليد, الذى أدافع عنه هنا, يتعلق بالطريقة الجديدة والمبدعة لإحياء الخبرة المستمدة من التقاليد. مثل هذه الطريقة الايجابية, دعنا نقولها مباشرة, للتواصل, زرعت فى الجانب الآخر من الطبيعة البشرية العامة, والتى تعتبر بصفة مؤقتة طبيعة ثورية, تتجاور على طول الخط مع الحقيقة المجبول عليها الإنسان بطريقة متناقضة ظاهريا: الرغبة فى التغيير, وفى نفس الوقت, الاحتياج الصحى لأن يبقى المرء ذاته. والشكل الآخر من أشكال "الهروب من التقاليد" هو الشكل الذى يلجأ إلى تفاسير"ما بعد- الحداثة" المتعددة للأناركية.اعتقد انه حان الوقت بالتأكيد للقيام, كما قال "ماكس ويبر", بـ "نزع الأوهام" عن الأناركية, الاستيقاظ من حلم عدمية ما بعد- الحداثة, ومعاداة العقلانية, والبدائيون الجدد, والإرهاب الثقافى, "والصور الزائفة". حان الوقت لاستعادة الأناركية إلى المسار العقلانى والسياسى للمشروع التنويرى الذى هو مجرد استيعاب أن "المعرفة الموضوعية هى أداة تستخدم بواسطة الأفراد حتى يتمكنوا من أخذ قراراتهم بأنفسهم بناء عليها". العقل, كما تقول لوحات "جويا" المشهورة, لا يخلق وحوشا ممسوخة عندما يحلم, ولكنه يخلقها عندما ينام.أود القول أن الحوار بين أجيال الأناركية الحديثة على اختلافاها قد بات ضروريا. الأناركية الحديثة مصابة بتضاد لا حصر له.لن يكفى أن نستسلم لعادة الغالبية من المفكرين الأناركيين المعاصرين الذين يصرون على الانقسام. سيكون من الطيب هجر انعزالية طريقة التفكير بـ "إما كذا أو كذا", والدخول فى مناقشات تبحث عن بناء فكرة. هل مثل هذا النموذج الذى يبنى, ممكن؟ يبدو لى انه كذلك.هناك نموذج جديد من الأناركية المعاصرة, يمكن تمييزه اليوم بين صفوف الحركة الاجتماعية الجديدة, وهو النموذج الذى يوسع من مساحة بؤرة مناهضة السلطة, بالإضافة إلى التخلى عن عقيدة اختزالية الطبقة. مثل هذا النموذج يسعى لإدراك الأبعاد الكلية للسيطرة, بمعنى, "تسليط الضوء ليس على الدولة وفقط ولكن أيضا على العلاقات بين الجنسين, وليس الاقتصاد وفقط ولكن العلاقات الثقافية والبيئية أيضا, وكذلك العلاقة الجنسية والحرية فى كل شكل من الأشكال التى يمكن أن تجدها فيها, وكل ما سبق ليس من خلال المنظور الوحيد لعلاقات السلطة, ولكنه أيضا مدعوم بمفاهيم أغنى وأكثر تنوعا. هذا النموذج لا يشجب التكنولوجيا فى ذاتها فقط, ولكنه يصبح أليفا لها ويستخدم أنماطها المتنوعة فى مكانها السليم. انه لا يشجب المؤسسات فى ذاتها, أو يشجب الأشكال السياسية فى ذاتها, ولكنه يحاول وضع تصورات لمؤسسات جديدة وأشكال سياسية جديدة للعمل والكفاح من اجل مجتمع جديد, يتضمن أساليب جديدة للتجمع, وطرق جديدة لصنع القرار, وطرق جديدة للتنسيق, وهكذا دواليك. ومؤخرا جدا, إعادة الحيوية للجماعات التى تمتلك قابلية للانسجام والترابط, والهياكل التى تشكل درجات لا غنى عنها للارتقاء إلى الأعلى. وهى لا تشجب الإصلاحات فى ذاتها وفقط, بل إنها تكافح لصياغة إصلاحات غير إصلاحية والظفر بها, تلبى احتياجات الناس المباشرة, وتحسن من ظروف معيشتهم الحالية بالإضافة إلى التحرك نحو مزيد من المكاسب, مكاسب تتسبب فى نهاية الأمر فى التغيير, مستقبلا".لن تمتلك الأناركية تأثيرا فعالا إلا إذا تضمنت ثلاث مكونات شاملة: منظمات العمال, والحركيين, والباحثون. كيف تخلق قاعدة أساس للأناركية المعاصرة على المستوى الثقافى والنقابى والشعبى؟ توجد تداخلات عديدة تعمل من اجل أناركية أخرى, تكون قادرة على ترويج القيم التى ذكرتها أعلاه. فقبل كل شيء أنا اعتقد أن الأناركية يجب أن تعكس ما يمليه الواقع. وما اعنيه بذلك هو أن النضال الفكرى يجب أن يعيد تأكيد مكانته فى الأناركية المعاصرة. ففيما يبدو أنه واحدة من مكامن الضعف الأساسية فى الحركة الأناركية فى يومنا هذا, بالنظر إلى زمن "كروبتكين" أو "ركليوز" على سبيل المثال, أو زمن "هربرت ريد", هى نقيصة إهمال ما هو رمزى بالضبط, وإغفال فاعلية النظرية.فبدلا من نقد الأناركيون لقصة ماركسيو ما بعد-الحداثة الخيالية والذائعة الصيت المسماة بـ "الإمبراطورية", عليهم كتابة إمبراطورية أناركية. لوقت طويل, كثيرا ما كانت العقيدة الماركسية ترجع إلى النظرية, وبهذا الأسلوب, اتخذت لنفسها مظهرا علميا ومنحت نفسها الفرصة لتتصرف كنظرية. ما تحتاج إليه الأناركية اليوم هو أن تتغلب على تطرفها فى الناحيتين: تطرف المثقفين, وتطرف معاداة المثقفين. أنا أيضا, مثل ناعوم شومسكى, لا احمل تعاطفا ولا صبرا على مثل هذه الأفكار. أنا أؤمن انه لا يجب أن يكون هناك مجال للتناقض بين الأناركية والعلم: "فى داخل التقاليد الأناركية كان ولا يزال هناك إحساس ما يرى انه يوجد فى العلم فى حد ذاته, شيئا ما كهنوتيا وظالما".لا توجد, فى حد علمى, حجة ما تسوغ اللاعقلانية, واعتقد أن المناهج العلمية لا ترقى لحدود أكثر من كونها أشياء معقولة, ولا أرى سببا لا يحتم على الأناركيون أن يكونوا غير معقولين. أنا مثل شومسكى, حتى إننى اقل احتمالا لاتجاه غير معتاد بدأ ينتشر, فى مظاهر متنوعة, داخل الأناركية نفسها: "إن ما يدهشنى كشئ لافت للنظر أن المثقفين اليساريين هذه الأيام يبحثون عما يحرم المضطهدين ليس فقط من بهجة الفهم والبصيرة, ولكن أيضا من أدوات انعتاقهم, حين يخبرونا أن المشروع التنويرى قد مات, وأننا يجب أن نتخلى عن أوهام العلم والعقلانية - تلك الرسالة التى سوف تسعد قلوب المستكبرين"...أكثر من ذلك, أمامنا تقع مهمة وضع رؤية للأناركى البحاثة. كيف سيكون دور الأناركى البحاثة؟ بالتأكيد لن يكون مجرد إلقاء المحاضرات, كما كان يفعل المثقفون اليساريون سابقا. يجب ألا تكون مدرسة, ولكنها تصبح الشخص الذى يتصور دورا جديدا وعلى قدر كبير من الصعوبة: يجب أن تصغي جيدا, وان تسبر الأغوار وان تكتشف. دورها هو تعرية مصالح النخبة المسيطرة, المستتر بعناية فائقة خلف الخطاب الذى يبدو موضوعيا فى الظاهر.عليها أن تقدم العون للناشطين الحركيين وان تزودهم بالحقائق. من الضرورى ابتداع أشكال جديدة من الصلات بين الناشطين الحركيين والباحثين الحركيين. من الضرورى أن نخلق آلية تعاونية تنسج العلاقات بين العلماء التحرريين, والعمال, والناشطين. من الضرورى إقامة مؤسسات, ومراكز أبحاث, وتجمعات علمية, وامميات أناركية. اعتقد أن بهذه الطريقة, سوف تفقد الروح الحلقية, والتى هى لسوء الحظ ظاهرة تسرى بشدة فى الأناركية المعاصرة, سوف تفقد قوتها نتيجة لهذه الجهود. واحدة من المحاولات المنظمة لمقاومة هذه الروح الحلقية فى الأناركية المعاصرة, هى الإطار العام الذى تتبناه الأممية الأناركية الجديدة, الذى وصلنى مؤخرا, والذى سوف اقرأه عليكم الآن.الأممية الأناركية هى مبادرة تعنى توفير سبيل للأناركيين فى كل أجزاء العالم, الراغبين فى التعبير عن تضامنهم مع بعضهم البعض, وتعنى تيسير الاتصالات والتنسيق, وتعنى التعلم من خبرات وتجارب احدنا الآخر, وتعنى التشجيع على وجود صوتا اقوى للأناركيين ومنظورا أوضح لهم فى السياسة الراديكالية فى كل مكان, ولكنها ترغب فى تحقيق ذلك فى شكل يرفض كل اثر للانعزالية والتحزب, والروح الزعامية, ومذهب النخبوية الثورية. نحن لا نرى فى الأناركية فلسفة ابتدعت فى أوروبا القرن التاسع عشر, ولكنها فضلا عن ذلك, هى النظرية والممارسة الأصيلة للحرية - تلك الحرية الفريدة التى لا تؤسس على حساب الآخرين - إنها المثال الذى يعاد اكتشافه إلى ما لا نهاية, نحلم به ونحارب من اجله فى كل قارة وفى كل حقبة من تاريخ البشرية. سيكون لدى الأناركية دائما ألف فصيل وفصيل, لان التعدد سيظل دائما هو جزء من جوهر الحرية, ولكن خلق شبكات من التضامن يجعل من كل منهم أكثر قوة.- تصدق عليه -إننا أناركيون لأننا نؤمن أن أفضل ضمان للحرية والسعادة البشرية يأتى عن طريق مجتمع يتأسس على مبادئ التنظيم الذاتى والجمعيات التطوعية والمعونة المتبادلة, ولأننا ننبذ كل أشكال العلاقات الاجتماعية التى تتأسس على العنف المنظم, كالدولة والرأسمالية.إلا أننا نناهض مخلصين كل روح حلقية انعزالية, ونعنى بها أمرين:إننا لا نحاول فرض أى شكل خاص من أشكال الأناركية على شكل آخر بالقوة: البرنامجيون Platformist, أو النقابيون Syndicalist, أو دعاة البدائية Primitivist, أو دعاة الانتفاضة Insurrectionist, أو أى احد آخر. ولا نرغب فى استبعاد اى احد على هذا الأساس - فنحن نثمن التنوع والتعدد كمبدأ فى حد ذاته, محدودا فقط برفضنا الجماعى لكيانات الهيمنة مثل العنصرية والتمييز الجنسى والأصولية الخ.حيث أننا لا نرى فى الأناركية مذهبا بالقدر الذى نراها فيه كعملية حركة نحو مجتمع حر وعادل ومستدام, لذلك نؤمن انه لا يجب على الأناركيين تقييد أنفسهم بالتعاون مع هؤلاء الذين يميزون أنفسهم كأناركيين, ولكن يجب عليهم البحث بنشاط عن أوجه التعاون مع كل فرد يعمل من اجل خلق عالم مبنى على تلك المبادئ التحررية العريضة, وان يتعلم منهم فعلا. فواحد من أغراض الأممية هو تيسير أمران: الأول هو أن نسهل على أنفسنا اتصال بعض من الملايين فى أنحاء العالم الذين هم, فعلا, أناركيون دون أن يعلموا, بأفكار الآخرين الذين يعملون وفق نفس التقاليد, والأمر الثانى هو إثراء التقاليد الأناركية نفسها عن طريق التواصل مع خبراتهم.إننا ننبذ كل أشكال الروح الزعامية ونؤمن أن الدور الصحيح للمثقف الأناركى (دورا يجب أن يكون متاحا لكل فرد) هو أن يساهم فى الحوار الجارى: أن يتعلم من خبرة بناء وكفاح المجتمع المحلى الشعبى وان يمنحهم عوائد تدبره لتلك الخبرات, وليس بروح الإملاء, ولكن بروح الهبة.أى شخص يقبل هذه المبادئ هو عضو فى الأممية الأناركية, وكل شخص عضو فى الأممية الأناركية له السلطة فى أن يتصرف كمتحدث إذا كانت هذه رغبتهم. لأننا نعلو بقيمة التعدد, فإننا لا نتوقع تماثل فى الآراء غير القبول بالمبادئ نفسها (وبالطبع, إقرارا بان مثل هذا التنوع قائم).التنظيم ليس قيمة فى حد ذاته ولا شرا فى حد ذاته, فلا يمكن إملاء مستوى البنيان التنظيمى, المناسب لمشروع معين أو مهمة معينة, مقدما ولكن يمكن تحديده فقط من قبل هؤلاء المنخرطون فعلا فى هذا المشروع أو المهمة. وهكذا بالنسبة لأى مشروع تتم المبادرة به داخل الأممية: يجب أن يرجع للقائمين عليه عملية تحديد الشكل والمستوى التنظيمى المناسبين لهذا المشروع. فى هذه الحالة, لا توجد حاجة لهيكل يتخذ القرار داخل الأممية نفسها ولكن إذا شعر الأعضاء مستقبلا الضرورة لذلك, سيكون ذلك راجعا للمجموعة نفسها ان تقرر كيف ستعمل مثل هذه الآلية, بشرط واحد وهو أن تكون فى إطار الروح العامة اللامركزية وروح الديموقراطية المباشرة.أكثر من ذلك: يجب أن تلتفت الأناركية لخبرات الحركات الاجتماعية الأخرى. إنها يجب أن تتضمن فى مجرى العلوم الاجتماعية التقدمية. يجب أن تحيط بالأفكار التى تأتى من بعض الدوائر القريبة من الأناركية. ولنأخذ على سبيل المثال فكرة اقتصاديات التشارك, التى تمثل رؤية اقتصادية أناركية متميزة, تضيف إلى التقاليد الاقتصادية الأناركية وتصححها. سيكون من الحكمة أيضا أن نصغى لتلك الأصوات التى تحذر من وجود ثلاث طبقات رئيسية فى الرأسمالية المتقدمة, وليس اثنين فقط. هناك طبقة أخرى من الناس, موسومين بطبقة المنسقين coordinator class من قبل هؤلاء المنظرين. دور هؤلاء هو السيطرة على والتحكم فى عمل الطبقة العاملة. إنها الطبقة التى تتضمن مراتب الإدارة العليا والخبراء والمستشارين المتخصصين كمحور لنظام سيطرة الطبقة - كالمحامين والمهندسين والمحاسبين الرئيسيين, وهكذا. إنهم يحتلون مكانتهم الطبقية بسبب احتكارهم للمعرفة والمهارات والعلاقات. هذا ما يمكنهم من الظفر بالوسائل التى تمكنهم من شغل المواقع التى يحتلونها فى اعلى مراتب الكهنوت الإدارى للشركات الضخمة أو عند الحكومة.على أن هناك شيئ آخر يجب أن نلاحظه متعلق بطبقة المنسقين هذه, وهو أنها قادرة على أن تصبح طبقة حاكمة. وهو فى الحقيقة المعنى التاريخى الحقيقى للاتحاد السوفييتى وما يسمى بالبلاد الشيوعية الأخرى. إنهم فى الحقيقة الأنظمة التى مكنت لطبقة المنسقين. أخيرا, اعتقد أن الأناركية المعاصرة يجب أن تتوجه لوضع تصور عن رؤية سياسية.وهذا لا يعنى القول بأن المدارس المتنوعة داخل الأناركية لا تتبنى أشكال محددة جدا من التنظيم الاجتماعى, ولو أنها غالبا ما تتفاوت بشكل ملحوظ بين إحداها والأخرى. إلا أن الأناركية ككل قد طرحت جوهريا ما بات الليبراليون يسمونه "الحرية السلبية", أى بشكل آخر, "الحرية من" فى صورتها الشكلية, و بالأحرى "الحرية إلى" فى شكلها الواقعى. وبالفعل, تفتخر الأناركية فى كثير من الأحيان بالتزامها الكامل بالحرية السلبية كدليل على تعدديتها الخاصة, وعدم تعصبها الايديولوجى, وروحها الخلاقة.فشل الأناركية فى وضع تصور للظروف التاريخية التى تجعل من الممكن قيام المجتمع الأناركى بدون دولة تسببت فى مشاكل عدة تتحدى الفكر الأناركى تظل بدون حل حتى اليوم. ولقد صارحنى احد الأصدقاء, من زمن ليس بالبعيد, "إنكم أيها الأناركيون دائما ما تبذلون أقصى الجهد حتى تظل أياديكم نظيفة, حتى إنكم فعليا تتخلفون عن الركب بلا ايدى على الإطلاق". انا اعتقد ان هذه الملحوظة ذات صلة وثيقة لافتقادنا للتفكير بشكل أكثر جدية فى رؤية سياسية.حاول "بيير جوزيف برودون" صياغة صورة ملموسة للمجتمع التحررى. وظهر أن محاولته هذه فشل محقق, ومن وجهة نظرى الخاص, هى غير مرضية على الإطلاق. وفى جميع الأحوال, لا ينبغى لهذا الفشل أن يدعونا إلى الإحباط, ولكن ينبغى أن يشير علينا بالطريق الذى نسلكه – مدرسة الإيكولوجيا الاجتماعية فى أمريكا الشمالية على سبيل المثال – طريقا يقودنا إلى صياغة رؤية سياسية أناركية جدية. النموذج الأناركى ينبغى أن يحيط أيضا بمحاولة الإجابة على سؤال: "ما هى منظومة البدائل الايجابية المؤسسية التى يتبناها الأناركيون للتشريعات المعاصرة والمحاكم والبوليس والإدارات التنفيذية المتنوعة". ينبغى ان "نمنح رؤية سياسية تتضمن التشريعات, وأشكال تطبيقها, وإصدار الأحكام القضائية, وسلطة تنفيذها التى توضح كيفية إنجاز كل من العناصر السابقة بشكل فعال بشكل لا سلطوى, فالرقى بمخرجات ايجابية لا يمد نضالنا المعاصر وفقط بالأمل الذى طال انتظاره, ولكنه سيوفر لحركتنا الحالية معرفة وفهم فى مواجهة أنظمة الانتخاب والتشريع وتنفيذ القانون والمحاكم القائمة, وأيضا الفهم والدراية بالعديد من اختياراتنا الاستراتيجية".أخيرا, ما هى التبعات الاستراتيجية لترقية مثل هذا النموذج؟لقد سمعت العديد من المرات, فى لقاءاتى بالمناضلين الحركيين من الأناركيين, افتراضا استراتيجيا, لا احمل نحوه أى تعاطف ولا افهم له تفسير. يحدثونك إننا يجب أن نبذل الجهد وان تتدهور معيشتنا حتى تتطور الأمور إلى الأحسن. وكمعارض لهذا المنطق الغريب, الذى ينص على "كلما كنت أسوأ كلما كان ذلك أحسن", اعتقد انه سيكون أكثر حكمة وأكثر معقولية كثيرا جدا, أن نصغي لنصيحة الأناركيين الأرجنتينيين التى تتبنى استراتيجية "توسيع مساحة القفص". تعى مثل هذه الاستراتيجية, بدلا من ذلك, انه من الممكن أن تحارب من اجل وان تظفر بإصلاحات اقل مما تحلم به الثورة بالشكل الذى يحسن من أحوال الناس ويحسن من الاختيارات المطروحة أمامهم حاليا, وفى نفس الوقت تخلق هذه الإصلاحات الفرص لمزيد من الانتصارات فى المستقبل. تعى هذه الاستراتيجية فهما بقول كونك نصيرا للمجتمع الجديد لا يسوغ لك تجاهل معاناة والآلام الناس الحالية, ولكنه يخول لك انك عندما تخاطب المتاعب المعاشة وعندما تعمل لجعل الأمور المباشرة أفضل, علينا أن نقوم بذلك بالطريقة التى ترفع من وعينا, وتمكننا من بناء كياننا, وتطور من منظماتنا وبالتالي تقود مسيرتنا فى منحنى صاعد من التغييرات المستمرة التى تثمر عن الوصول إلى تحديد هياكلنا الاقتصادية والاجتماعية. توسيع ارض القفص لا ينبذ كفاحات الشعب القصيرة الأمد من اجل رفع الأجور على سبيل المثال, أو نضالهم لإيقاف حرب أو أعمالا ايجابية مثل تحسين شروط العمل, أو المشاركة فى وضع ميزانية البلد, أو فرض ضرائب تقدمية أو راديكالية, أو ساعات عمل اقل مع اجر كامل, أو إلغاء صندوق النقد الدولى, أو أى نضالات أخرى بأى صورة, وذلك بسبب أنها تحترم حقيقة أن وعى الشعوب ودرجة تنظيمها يتطور من خلال الكفاح, كما أنها بشكل عنيف تحاذر من هذا النوع من الاحتقار المنتشر بين المناضلين الحركيين للجهود الشعبية الشجاعة لتحسين ظروف حياتهم.اعتقد, لننجز, أن مثل هذا النموذج من الأناركية المعاصرة له دور هام وهو أن تبنى, فى ظل الأهوال المرعبة للرأسمالية, حركة فى مرحلة ما بعد الماركسية تطالب بقيم التنوير وان تجعل إدراك طاقاتهم أمرا حقيقيا.

الاناركية بالاردن


قام مجموعة شباب يعتنقون الفكر الاناركي بالتجمع وبدءحركة نشاطوية تعمل من اجل العدالة والحرية..
ثم قامت المجموعة بالالتحاق بصفوف حركة اليسار الاجتماعي لانقاذ الاردن من براثن الليبرالية الجديدة و افقار الشعب..سنقوم على هذه المدونة بالاعلان عن نشاطاتنا و نشر مواضيع تتعلق بالفكر الاناركي..
نؤمن ان الفكر الاناركي هو الاداة الاكفأ لتخليص المجتمع من العنصرية ومن سلاسل القهر ومن اجل تحرير المرأة و انقاذ المجتمع من الاستهلاكية والامركة..
شاركونا لنساهم في صنع السلام العالمي وحماية البيئة وحقوق المثليين وشعوب العالم الثالث ووقف الاستغلال وتمكين العمال من انشاء نقاباتهم وادارة مصانعهم... من اجل مجتمع ايكولجي لاسلطوي متضامن وحر...